ليه الناس ما تتقبل الوحدة؟

ليه الناس ما تتقبل الوحدة؟ لا صدق، أسأل. لأن لاحظت إن مفهوم “الوحدة” – أو Lonely بالإنجليزي، عشان ما يظنون إني أتكلم عن فريق الوحدة – عليه نظرة سلبية جدًا، خصوصًا في مواقف نعيشها كل يوم. مثلًا: لما تشوف شخص يأكل لحاله في مطعم، أو مسافر لحاله، أو جالس على طاولة كوفي بهدوء. كثير من الناس ينظرون له بنظرة شفقة، أو يمر عليهم تعليق داخلي أو حتى بصوت مسموع: “شكله حزين، ليه لحاله؟”. كأن وجودك مع نفسك صار علامة نقص، أو سبب للحزن. وهالشي غريب جدًا.

تذكرت مشهد شفته في وسائل التواصل الإجتماعي (شيّك عليه هنا)، كانت فيه شخصية جالسة تاكل لحالها، وكان فيه تعليق يقول: “إذا أردت النجاح، فعليك أن تمر بهذه المرحلة.” العبارة مفترضة تكون محفّزة، لكن حتى هي تم تحميلها بُعد سلبي. كأن الجلوس لوحدك نوع من المعاناة اللي لازم تتجاوزها، بدل ما تكون تجربة إنسانية طبيعية، وربما ممتعة.

أتكلم عن هالموضوع لأن مرت عليّ تجربة بسيطة، بس خلتني أنتبه. كنت أفطر لحالي قبل الدوام، وجلست ألاحظ كيف الناس تنظر لي أو تعلق. كأنه شيء غريب إن شخص يقرر يبدأ يومه بجلسة هادئة لحاله. الشي العجيب، إن بعض الناس اللي يدافعون عن فكرة “الوحدة” تلقاهم ما يقدرون يجلسون لحالهم فعلًا. تلقاه مشغول دائمًا، من طلعة لطلعة، من شغل لاجتماع، من سوالف على وسائل التواصل الإجتماعي. ما يعطي نفسه فرصة يسمع صوته الداخلي. ولما تجي لحظة يجلس فيها مع نفسه، يتفاجأ. تطلع له أفكار ما يعرف يتعامل معها، مشاعر ما قد واجهها، أسئلة وجودية كان يدفنها تحت الزحمة. كأنه عنده سيارة واقفة من زمان، ولما شغّلها اكتشف كم مشكلة فيها ما كان يدري عنها.

أنا مؤمن بقاعدة بسيطة: أي شيء يزيد عن حده ينقلب ضده. الوحدة المفرطة ممكن تكون ضارة، بس كمان الهروب المستمر من الوحدة له ضرر أكبر. التوازن مهم. لا بأس تكون اجتماعي، ولا بأس تكون لحالك. الأهم إنك تعرف كيف تكون مرتاح في الحالتين. خذ لحظة وسأل نفسك، مثل ما تقول بعض أغنيتي المفضلة: “مين بتكون لمّا صوتك مو مسموع؟ مين بتكون لمّا الجمهور مو موجود؟” هالأسئلة رغم بساطتها، تساعدك تتعرف على ذاتك.

ومن هنا أرجع لسؤال: ليه الجلسة لحالك – خصوصًا وأنت تأكل – مريحة فعلًا؟ أولًا، لأنها مساحة للتأمل. في الطب النفسي، يُقال إن التأمل في الأشياء البسيطة يساعد على تهدئة عقلك. إنك تشوف الطاولة الخشبية، المنديل، الأكل قدامك، بدون ما تحكم أو تفسر. بس تلاحظ. ثانياً، لأنك تبدأ تلاحظ وش يدور في بالك فعليًا. الحياة مزدحمة، ومع كثرة استخدام الجوال، نادراً ما نتوقف ونفكر: “وش قاعد أشعر فيه؟ وش مضايقني؟” الجلسة هذه تساعدك تلتقط الخيط قبل ما يضيع. وأخيرًا، لأن الفراغ أحيانًا يكون نعمة. عقلك يكون في وضع هادئ، بدون أفكار ولا مقاطعات، وتقدر تذوق الأكل فعليًا، وتلاحظ تفاصيل المكان، كأنك داخل فيلم هادئ كل مشهد فيه محسوب.

في النهاية، مو لازم تكون دايم حول ناس عشان تكون بخير، ومو بالضرورة تكون وحيد عشان تكون ضايع. المسألة مو بالأعداد، المسألة في علاقتك مع نفسك. الوحدة أحيانًا درس، وأحيانًا نعمة، وأحيانًا ببساطة… راحة.

أضف تعليق